عرض مشاركة واحدة
قديم Sep-06-2007, 02:21 PM   #30 (permalink)
أ.د. ظافر بن علي القرني
عضو شرف
مستشار منتديات بلاد بلقرن
 
الصورة الرمزية أ.د. ظافر بن علي القرني






افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة توقيع مشاهدة المشاركة
يا أبو علي بما أنني أحد أبناء قريتك وأعرف أتك كنت شاعر عرضة في بداياتك، وكما سمعت أنك شاعر مجيد في العرضة، فماهو سر ابتعادك عن هذا المجال ؟
س2/ اتمنى بما أنك أديب أن تصف لنا الحياة في القرية قبل 30 عام فأنا بودي أن أتعرف على مظاهر تلك الحياة من خلال احساس الشاعر الأديب د . ظافر بن علي
حيّاك الله، وبارك فيك؛ وبارك في خير هذه الشبكة التي قاربت بيننا، بعد أن شتتتنا ظروف الحياة.

الابتعاد عن شعر العرضة

سألتني لماذا ابتعدت عن شعر العرضة؟ ولدي في هذا كلام كثير قد لا يكون من المناسب قوله هنا كلّه؛ ولكنّي آتي بما تيسّر، ويكون فيه الكفاية، بإذن الله.

قريتي التي نشأت فيها هي إحدى ثلاث قرى تتكوّن منها قبيلة آل عبيد، كما تعلم. والقرية كالقبيلة تُحبّ الشعر، وتتغنّى به، وتحفظه؛ فالنّاس في أعمالهم يرددون الأناشيد التي تحمّسهم وتعينهم، بأمر الله، على إنجازها؛ وهم في مسامراتهم القصيرة يتراوون الشعر ويشيدون به، ويمتدحون شعرائه المعروفين في "الحجاز" وتهامة. وكثيرًا ما سمعت منهم قولهم، وأنا صغير السّن: ما يفهم الشاعر إلاّ شاعر مثله؛ وقولهم ما يردّ على هذه القصيدة إلاّ شاعر؛ وقولهم اسمع رد الشاعر الفلاني على قصيدة فلان. وهم يسمون الشعر معرفة، وحكمة، وهيضًا؛ ويقولون فلان شاعر بحر، ويقولون عنه عدّ، وغير ذلك من الأوصاف والأسماء التي تخلب اللّب. لقد صوّرت لي القرية الشاعر، وأنا دون العاشرة، مخلوقًا آخر، ما عليه إلاّ أن يقول وسيكون قوله في محلّه. ولذلك وقر في ذهني، بعد أن غزتني الموهبة أو غزوتها، أن دوري هو قول ما طرأ على ذهني وسيوافق المقصود، ويأتي على ما يريده النّاس؛ فأنا شاعر كالذي وصفوا. وتصورت المحاورة تقوم على عنف الكلمة، وعلى مهاجمة الخصم دون هوادة. فما صار يراودني شكّ أن العلاقة بين الشعراء هي علاقة توتّر وخصام. وقد اندفعت بقوة إلى المحاورة في شعر العرضة وأنا في المرحلة المتوسطة، لأسباب أذكرها بعد قليل. فما كنت ألتفت إلى المعنى في بعض الأحيان؛ وكنت أقول ما طرأ لي وإن كان في غير سياقه؛ وربما بلغ الأمر بي أن أذم الشاعر وهو يمدحني؛ وما هذا إلاّ لسوء التّصور الذي اكتسبته عن الشعر والشاعر، في مرحلة مبكرة من العمر لا تعين المرء على التفكير السّليم. ولم ألحق في قبيلتي على شاعر أعرف منه مهارة التّعامل مع هذا الفن؛ أو أرى كيف يقارع الخصم، وإن كنت رأيت آخر الشعراء القدامى، وأنا دون السادسة؛ وسمعت القليل من قصائده بعد أن عمي وهرم، وهو شاعرٌ ماهر يتحدّث بالشعر على السليقة؛ لذا اجتهدت في مواقف كثيرة، أصبت في بعضها، وأخطأت في بعضها الآخر؛ بل قد أكون أجحفت دون أن أدري. ولا ننسى حداثة السّن ودورها في كلأ هذا... هذه هي البيئة التي نشأت فيها باختصار شديد، أرجو أن لا يكون مخلاً. وهي بيئة مهيأة، كما ترى، أن تقود المرء إلى اتجاه غير مألوف، خاصّة في أمر الشعر المرغوب من كلّ أحد.

أمّا لماذا شعر العرضة، فصاحب الموهبة في ذلك الوقت ليس أمامه إلاّ الشعر الذي اعتاد عليه قومه، فالشعر الفصيح لا يوجد إلاّ في الكتب المدرسية، ولم يكن أمامنا مثالٌ حيٌّ له؛ وما وجد منه في الكتب لا يعبّر عن هموم النّاس، ولا عن بيئتهم؛ وإن كان من أهل القرية من يتمثّل بالقليل منه. وشعر النظم الشعبي لا يميل إليه الناس، وإن كانوا يحفظون بعضه؛ ويتمثّلون به. أمّا شعر العرضة ففرصته مواتية لكثرة ما يسمعه المرء منه في المناسبات المختلفة، والمسامرات، واللقاءات بين أفراد القبيلة.

وهناك عامل آخر يتعلّق بالغموض الذي اكتنف شعر تلك المرحلة من العمر؛ ما جعل الوالد لا يطمئن لنزولي في بعض الحفلات؛ وجعل لبعض الشعراء ردة فعل في غير محلها؛ فقد سمعت أحدهم بعد أن فرغت من إحدى القصائد يقول بصوت مرتفع: هذا انقليزي؟ فصدّقه بعض الحضور؛ رغم أنّه توهم ذلك.

وقلت في حفلة مرحبًا بقوم:

حي قومٍ يذهبون العواني
بالجسارة تذهب العانية

فصاح من صاح من الصّف وقال: العوادي؛ فقلت: "يذهبون العوادي". وقصدي أنّهم لا يهابون الأمور الصعبة التي تعنّيهم وتتعبهم فهم يقبلون إليها بعزم. على أن كلمة العواني (الأنساب) ستأتي في الرّد؛ حسب بناء القصيدة، قبل أن يفسدها صاحب الاقتراح. وقد أخبرت الشيخ د. عائض القرني بذلك، قال" "زين إنّك ما قلت يركبون العواني".

وقلت في حفلة أخرى مرحبًا بشاعر وقومه، من قصيدة تتكون من أربعة أبيات أو خمسة؛ لا يحضرني غير آخر بيتين من بدعها وردّها:

الله يسقي ديرةٍ كلّ نشمي ظال منها ؛ تحمي العائذ من الناس واللاجي بها
كلمة المعروف ما ني بوالله ظالمنها ؛ إن تجي عندي من الناس ولاّ أجي بها

ومعنى "ظال منها" أي جاء منها؛ وقد تكون كتابتها ضال؛ والعلم عند أهل اللغة. على كلّ حال، بعد أن قلت هذه القصيدة، هاجمني ذلك الشاعر هجومًا شرسًا، دفعته إليه كلمتا العائذ واللاجي، حسب ظنّي، فالنّاس حديثو عهد بعلاقات لها طابعها الخاص المعلوم آنذاك. وكان لهجومه دوره في جعل القبيلة تظن بقولي الظنون.

هذه الأسباب وغيرها من أمثالها، رغم نجاح بعض المحاورات التي خضتها وأنا لمّا أعرف الحياة بعد؛ جعلتني لا أحرص على المواصلة في هذا الميدان؛ ولو صرفت الجهد إليه لكنت الآن في "وادي النظر" انظر متى يقام حفلة في جبال الحجاز، أو في وديان تهامة؛ لأغزوها بقصائدي؛ فشعر العرضة، لمن يعرفه، شعر مغرٍ؛ لا يسهل على الشاعر تركه بعد أن يشرع فيه. ولا يعني ذلك أنني ضامن النجاح، فهذا النوع من الشعر قلّ من ينجح فيه. فالحمد لله، على ما كان وما سيكون، فله الأمر من قبل ومن بعد: (وأنّا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا).



حياة القرية

وسألتني أن أصف لك حياة القرية قبل ثلاثين سنة؛ فاحترت أيّ شؤون تلك الحياة أصف لك؛ فسأقول بعض الكلمات حسب ما تتراكض إلى ذهني وعسى أن يكون لنا إليها عودة في مؤلّفٍ مستقل.

كانت حياة القرية قبل ما يزيد عن ثلاثين عامًا حياة عجيبة غريبة؛ تموت القرية بعد صلاة العشاء، حتى تقول أنّها لن تنهض في الصباح؛ وتنهض بعزم وقوة في الصباح حتى تقول أنّها لن تهدأ في الليل. عملها متكامل متناغم، وهذا سرّ صمودها، رغم قسوة الحياة وعنتها. فالعائلة الواحدة همّها واحد، تتصدّى له بقوة فتحقق النجاح فيه. كنا نظنّ أن أهلها الكبار لن يهرموا، وأننا لن نكبر؛ وما ذاك إلاّ لما كانوا يتمتعون به من نشاط وقوة؛ وما كان يعتورنا من عجز وضعف، لم يحولا بيننا وبين ما يكلونه إلينا من أعمال لا يقوم بها إلاّ البالغين الواعين بما حولهم. من تلك الأعمال رعي الغنم، والبهم، والحمير، والأبقار.

وكان يبلغ الزهو بالواحد منّا، نحن الصّغار، مداه إذا عاد ببهمه في المساء، بعد يوم شاق من الرعي، ظانًّا أنّه هو الذي اعتنى به، ووجّه في الأودية والشعاب؛ وما علم أنّه لو ضاع البهم لضاع معه؛ فالبهم هو الرّاعي، بإذن الله؛ ولا دور له سوى تتبعه من تلٍّ إلى آخر، ومن شعبة إلى أخرى حتى يدلف به إلى المنزل حين الغروب.

كان جمال ليل القرية لا يوصف، ترى النجوم تتلألأ في السماء فتنتشي حتّى تكون كأحدها. ويقبل الضباب فتغيب فيه حتّى لا ترى صاحبك ولا يراك وهو بجانبك. وكانت الطرقات فسيحة وهي ضيقة، والبيوت رفيعة وهي منخفضة، والناس كثيرين وهم قلّة. وكانت الأغنام والأبقار والجمال والطيور والجراد والعقارب والحيّات والذئاب والضباع والنّسور وغيرها أمم تعيش وتتفاهم؛ وإذا تنافرت رأيت ما تراه بين النّاس من حروب طاحنة في عصرنا هذا...

القرية هي البيئة الوحيدة التي تجعلك تعقد ميثاق صداقة بينك وبين كلّ هذه المخلوقات وغيرها ممّا يحيط بك؛ فالصداقة قائمة بينك وبين الأشجار والأمدار والحيوانات والنجوم. صداقة لا يعكر صفوها كلام؛ إذ ليس هو بوسيلة التّواصل؛ إنّها وسيلة أعظم وأمتن لا يحيط بوصفها عقل فيصفها لغيره.

كانت الأودية عامرة بالخضرة؛ المحاصيل الزّراعيّة تتتالى في نسق جميل؛ إذا رزق الله الرجل بالثمرة أعطى حقّها يوم حصادها، وإذا أخطأت لعارضٍ بيئي، حمد الله وشكره، وتفاءل بالمقبل من الخير. وكانت القرى تتميّز بقلة الكلام، وكثرة العمل؛ فلا تسمع من النّاس حين العمل إلاّ الأهازيج الجميلة التي تعينهم على إتمامه.

لو يتسع الوقت لذكرت لك أشياء أخرى كثيرة؛ وقد ذكرت بعضها في بعض ما كتبته من قبل، كقصيدة: امتداد الزّمان وانقباض المكان: البيت القديم مثالاً؛ في ديوان: الإنسان ذلك الشيء؛ التي بدأتها بقولي:

كان بيتًا على السابلةْ
رسخت في هوى النّفس صورتُه
فهي لمّا تزل حيّةً ماثلة
.
.
.
وهي طويلة جاء في آخرها، بعد أن تبيّنت حقيقة ذلك البيت:

إلهي ألا أينا صاحب الضيق؟
بيتي أم الفكر أم هذه الحقب الماحلة.

ويمكن مقابلة هذه القصيدة بقصيدة حديثة في معناها، عنوانها: "نواميس في هجعة الفكر" في ديوان "ثمار الإنهاك"، جاء في مطلعها قولي:

من هنا من منحنى الفقر أغنّي
وأهني.
وتراني ما تراني في تدنّي
حسبي الله لقد طال التّمنّي
أتمنّى أن أرى حرًّا يقول الحقّ أو يسكت عنّي
....
....
إلى آخر القصيدة.

لك وللقراء تحياتي وتقديري.


ظافر بن علي القرني

هندسة المساحة
جامعة الملك سعود

الأربعاء 24/8/1428هـ (6/9/2007م)




أ.د. ظافر بن علي القرني غير متواجد حالياً  
 

SEO by vBSEO 3.3.0